عبد الملك الجويني
507
نهاية المطلب في دراية المذهب
واتفق الأصحاب على أن ذلك جائز منهم ، ثم قالوا يجب الاستخلاف في الركعة الأولى ؛ فإن ذلك إذا اتفق يترتب عليه إدراك الجمعة ، ولو أرادوا أن ينفردوا ، لم تصح جمعتُهم ، وإقامة الجمعة واجبة عليهم ، فيتعين الاستخلاف لما ذكرناه . ثم الذي ذكره الأئمة أنه إذا صح الاستخلاف ، وتقدم الخليفة ، استمر الناس على صلاتهم ، ولا حاجة بهم إلى تجديد نية الاقتداء بالخليفة . وفائدة الاستخلاف نزول الخليفة منزلة الإمام الأول ، حتى كأنه هو ، ولو استمرت الإمامة من الأول ، لم يكن لتجديد نية الاقتداء معنى ، ولو انقطعت القدوة الأولى ، لكان الظاهر في القياس انقطاع الجمعة ، ثم إن كان التقديم من القوم ، ولم يستخلف الإمام الأول ، فيكفي عندي صَدَر ( 1 ) هذا من واحد من القوم ، ولو شرطنا صدورَه من جميعهم ، وهم مائة ألف مثلاً ، لعسر الوصول إلى ذلك في أثناء الصلاة . ولو تقدم واحد بنفسه ، ولم يقدمه أحد ، ففيه احتمال عندي ؛ من جهة أنه لم يستخلفه أحد ، ويظهر الجواز ، من جهة أنه من القوم ، فتقديمه نفسَه كتقديمه آخرَ . والله أعلم . 1407 - ولو قدم الإمام إنساناً ، وقدم القوم آخرَ ، فليس في هذا عندي نقل ، والمسألة محتملة . ولعل الأظهر أن المتَّبَع من يستخلفه القومُ ؛ فإن الإمام قد بطلت صلاته ، وإنما يستخلفُ بعُلْقة إمامةٍ كانت وزالت ، والقوم باقون في الصلاة ، وهم أولى بالاستخلاف . 1408 - ثم ينبغي أن يجري الاستخلاف على القرب ، بحيث لا يطول الفصل ، فإن قضَوْا على الانفراد ركناً ، ثم استخلفوا ، لم يجز . وإن طوّلوا الركن الذي هم فيه ، ثم استخلفوا بعد طول الزمان ، ففي المسألة احتمال . وكل ما ذكرناه مفرعّ على ما ذكره الأصحاب ، من أنهم لو لم يستخلفوا في الركعة الأولى ، فلا يصلّون الجمعة .
--> ( 1 ) صَدَر بفتحتين أي صدور ، واستعمال المصدر بهذا الوزن يجري بصفة شبه دائمة على لسان الإمام .